محمد عبد العال يكتب : كيف تُمنح القروض الكبرى؟
عملية منح التمويلات محكومة بـ "بقاعدة أو ميزان دقيق " يضعها البنك المركزي المصري

هناك اعتقاد شائع خاطئ بأن البنك عندما يمنح قرضاً بمليارات الجنيهات لشركة كبرى فإنه يقتطع هذه الأموال مباشرة من ودائع العملاء بنسبة عشوائية.
الحقيقة العلمية والمصرفية مختلفة تماماً، وهي محكومة بـ “بقاعدة او ميزان دقيق ” تضعه السلطات الرقابية أي البنك المركزي المصري.
القاعدة تقول : القرض يُنسب لـ “حقوق الملكية” وليس للودائع.
القاعدة الأهم التي يجب أن يعرفها الجميع هي أن قدرة البنك على إقراض “عميل واحد” لا تُقاس بحجم الودائع لديه، بل بـ “القاعدة الرأسمالية” حقوق الملكية للبنك.
الحد الأقصى للائتمان: يضع البنك المركزي المصري قواعد صارمة تمنع البنك من منح عميل واحد أو أطراف مرتبطة به ائتماناً يتجاوز نسبة 15% إلى 20% من قاعدة البنك الرأسمالية.
لماذا؟ لضمان عدم تركز المخاطر في يد عميل واحد، مهما كان حجمه.
البنوك تعمل أيضاً وفق معايير دولية اتفاقية بازل والتي تفرض ما يسمى “نسبة كفاية رأس المال CAR”.
هذه النسبة تعني أن البنك يجب أن يحتفظ بمستوى معين من رأس المال القوي لمواجهة أي مخاطر محتملة في أصوله القروض.
بمعنى أبسط .. البنك لا يقرض إلا إذا كان لديه “مصدات حماية” من أمواله الخاصة رأسماله وأرباحه المحتجزة تغطي هذه المخاطر، بعيداً عن أموال المودعين.
القرض المشترك Syndicated Loan : توزيع المخاطر
عندما يكون القرض ضخماً جداً، تلجأ البنوك لما يسمى “القرض المشترك” ، وهنا تظهر قمة الحرفية:
لا ينفرد بنك واحد بالمخاطرة، بل يتم توزيع القرض على مجموعة من البنوك. أى توزيع المخاطر.
كل بنك يشارك بحصة تتناسب مع حدوده القصوى وقاعدته الرأسمالية.
هذا الأسلوب هو “تأمين جماعي” يحمي الجهاز المصرفي من الهزات الفردية.
كيف يضمن البنك استرداد أمواله؟
عملية المنح ليست مجرد “توقيع عقود”، بل تمر بمراحل معقدة:
دراسة الجدوى والتدفقات النقدية: البنك لا يعتمد فقط على الضمانات العينية، بل على قدرة المشروع نفسه على توليد دخل يسدد القرض.
نظام المخصصات: بمجرد وجود أي بادرة تعثر، يلتزم البنك بموجب تعليمات المركزي ببناء “مخصصات” من أرباحه لمواجهة هذا التعثر، مما يعني أن أرباح البنك هي التي تتأثر أولاً، بينما تظل الودائع في أمان تام ومغطاة بالاحتياطيات القانونية.
الخلاصة للجمهور:
أموال المودعين ليست هي المحرك الوحيد أو المعيار لمنح القروض الكبرى؛ بل هي “ملاءة البنك” وقوة رأسماله وقواعد البنك المركزي الصارمة.
الجهاز المصرفي المصري يطبق معايير رقابية هي الأحدث عالمياً، والتي تجعل من “التعثر” حادثاً يتم التعامل معه بآليات فنية محترفة هيكلة، مخصصات، ضمانات دون أن يمس ذلك أمن مدخرات الأفراد.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





